Saturday, April 3, 2010

في نمطية العقل العربي

كتب الكثيرون من اصحاب الرأي والفكر عن الانحطاط الفكري الذي يسود في المجتمعات العربية منذ عقود خلت، لكن قلة من الباحثين قدمت الموضوع بمقاربة علمية موضوعية وهذا موضوع مقالتنا. تتميز المجتمعات العربية بانهيار البنى الاجتماعية وعجز مستمر عن الخلق والابداع سببه الوعي الاجتماعي السائد وهو في أغلبه يحمل نزعة ميثولوجية دينية تترافق والخطاب الممجوج عن " عادات وتقاليد الشرق " مقابل " فسق وانحطاط الغرب". ولتبيان خصائص " العقل العربي " أحاكي ثلاثة موضوعات تصب في تقوقع هذا الاخير وعجزه عن اللحاق بمتغيرات عالمنا الحديث.
أولا- الجنس: لا يزال الجنس من المحرمات الاساسية في مجتمعاتنا. وفي واقع الامر، يتعرف الانسان العربي على خريطة جسده في سنوات تكون وعيه البيولوجي فقط، فيما المطلوب هو ايجاد ثقافة علمية جنسية تكون جزءأ من المنهاج التربوي العربي. وفي مجال آخر، يعاني العقل العربي من شهوانية زائدة في مقاربته للجنس وهذا مرده الى نزعة " تسلطية " مكبوتة يريد من خلالها الانسان العربي اعادة تعريف نفسه كصانع للقوة لا خاضع لها. ان هذه المقاربة السيكولوحية نجد لها طريقا اذا دققنا مثلا في أي حديث يدور بين شابين عربيين في عقديهما العشرين. فيجري التباهي بعدد العلاقات الجنسية الي خاضها كل منهما بالاضافة الى سرد تفاصيل العملية الجنسية وكأن في هذا تأكيد على تألق الفرد أمام محيطه في صنع بطولة جنسية مزعومة فيما هو _ أي المواطن العربي العادي- لا يزال أسير الشهوانية اللاعقلانية. نستطيع في هذا المجال تعداد الدلائل ( اللفظية وغيرها) التي تشير الى محتوى جنسي لاعلمي في الكتب والمجلات والافلام والمسلسلات في مجتمعاتنا العربية لنرى أنها تشكل بنسبة كبيرة وعي اجتماعي يعامل الموضوع الجنسي كتابوو .
ثانيا- النفس: لطالما تتميز المجتمعات العربية بمقاربات لاعلمية غيبية في تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية. لتأكيد الامر، يكفي أن تتصفح أي صحيفة من الصحف الاعلانية – التجارية الموجودة في الاسواق اللبنانية لترى المئات من الساحرين والمشعوذين وضاربي الكف والرمال وغير ذلك من أساليب اقل ما يقال عنها انها من سمات العصور الحجرية. لم يتصالح العقل العربي مع " نفسه " بعد. اذا كنت جالسا يوما ما مع صديق لك وخالفته في رأيه، فهو في أغلب الظن سيقول لك ما حرفيته: " ولك روح انت بدك حكيم نفسي". ان هذه العبارة مثلاً تشير الى فوبيا من " النفس العربية" وكأن من يزور طبيب نفسي هو ابله ومجنون ويجلب العار على محيطه. يجري تسخيف العقل العربي بعيدا عن العلمية والعملانية فيصبح " فرويد " مثلا صفة ينعتك بها صديقك اذا أطلت في الكلام قليلا أثناء نقاش أو محاججة. ان المجتمعات العربية هي أحوج ما تكون الى العلم والدراية بأنفاسها ذلك أن أوطاننا تعرضت ولا تزال تتعرض للكوارث والحروب والمآسي والفتن التي عادة ما تجلب اضطرابات نفسية واجتماعية يعبر عنها في ظواهر مجتمعية عديدة. نشير في هذا الاطار الى دراسة علمية أجريت عام 2007 بينت أن ما نسبته 38 % من الشعوب الاوروبية تزور طبيب نفسي بشكل دوري. اذا، ان التعرف الى النفس ومضامينها ليس مرادفا للتخلف والجهل كما يشاع في الاوساط العربية والا ما كان الغرب يلجأ اليها وهو الذي يوصف عادة بالتقدم والعصرنة.
ثالثا- الخوف من الانا: تسيطر في أدبياتنا العربية مفاهيم الجماعة بالمقارنة مع النزعة الفردية. ونحن في هذا الاطار لا نلغي أهمية الرابطة الاجتماعية التي لطالما تمتعت بها الاسر العربية أو المشرقية، الا أن الموضوع هو في مكان آخر. يعرف العقل العربي نفسه بأنه عضو في دين أو طائفة أو مذهب أو قبيلة أو عشيرة، وحتى الانتساب الى حزب سياسي_ وبالمناسبة يعتبر الحزب بشكل عام أحد ارقى مستويات " الانا " في التعبير الا في مجتمعاتنا- اذا لا يقدم المواطن العربي نفسه الا عضواً في تلك " المجتمات – الافكار" ذلك أنه يخاف من تحقيق الذات والتطلع الى الجديد والغير مألوف. على سبيل المثال لا الحصر، عادة ما يوصف الانسان العربي ذو الميول نحو الاداب والفنون على انه غريب الاطوار لا يجاري عصره ولا متطلبات حياته المادية. فتصبح عندئذ كلمة " مثقف " شتيمة أو فعل لا يحبذ ممارسته. يعجز الانسان العربي عن ادراك نفسه لانه لا يدرك واقعه وهو دائما مكتفي ذاتيا وهذا ما يدحضه الواقع. يتقدم الاف من الشباب العربي الى المشاركة في برامج تلفزيون الواقع كستار أكادمي أو سوبر ستار وفي هذا دلالة على التوق الى اظهار ما يعتقده الفرد من مواهب وقدرات لم يجد في السابق من الوسائل الكافية لاظهارها فيعتبر تلك البرامج الفرصة السانحة له من أجل تحقيق ذاته. وهذه المواهب، وعلى الرغم من عدم كفائتها في كثير من الاحيان الا أنها تعبر عن " فائض " ابداعي لا يستسيغه المجتمع في الاحوال العادية. اضف الى ذلك نعابير " عملنا وسوينا ونزلنا وأكلنا " والتي عادة ما يستعملها المواطن العادي في حياته اليومية واصفاً أمور أعدها أو طبقها فردياً. وفي هذا أيضا دليل على الخوف من الانا لان هذه " الانا " هي الممر الاجباري لاي تقدم فردي في شتى المجالات الحياتية.
تأسيساً على ما تقدم، يعاني العقل العربي من ارهاصات نفسية تجعله أسير التقوقع. لذا، تكون العامة وعيها في فضاء من الانغلاق الذهني تعززه سطوة الديكتاتوريات الالهية والانسانية. لا يجد العقل العربي في يومياته الا ممارسة الجنس أو التكلم عنه. في الحالة الاولى، تقع" جريمة الشرف " على الفتاة ذلك اننا اسرى مجتمعات ذكورية. أما في الحالة الثانية، فيصبح الجنس أداة للتحرر اللفظي لا الفعلي لاننا نفصح عنه متناسين اصلا أن الحرية لا تنمو في وعاء فكري دوغمائي انما في اطار الفكر النقدي الحر.
عطاالله السليم

No comments:

Post a Comment