يطرح الحادث الاليم الذي وقع في كترمايا يوم الخميس الماضي (29 نيسان 2010) تساؤلات عديدة عن أنماط اجتماعية قديمة وبالية مورست بحق القاتل مع استنكارنا طبعا لجريمة القتل التي ذهب ضحيتها اربعة ابرياء. لقد شهدت المجتمعات العربية مخاض عسير لمأسسة " المدنية " بعد أن كانت تختصر بالحياة القبلية أو حتى العشائرية. ويشير العديد من علماء الاجتماع في هذا الاطار أن المجتمعات العربية – وبوصفها مجتمعات بطريركية تقوم على عقيدة الاب المؤسس- غير مؤهلة لان تتخطى الموروث الثقافي ( الديني ضمنا) فبذلك تراها دوما تتخبط بين عادات وتقاليد شعوبها من جهة ( الواقع الفعلي) و ممارسات سياسية وقانونية يعبر عنها عادة بالمؤسسات الدستورية من جهة أخرى ( المرتجى) وذلك في سياق غير متصالح مع الماضي والمستقبل. اذ أنّ وجود العاملين معا يؤسسان لسياق طويل من الصراعات الكامنة والتي لا بد لها أن تنفجر في لحظة عاطفية معينة – عنينا حادثة كترمايا. لقد دام هذا الصراع المعقّد المسارات والاتجاهات رهطا من الزمن في القارة الاوروبية وانتصرت العلمانية بموجبه على كل المروروثات البائدة مع ابقاء السلطة الدينية كاطار رمزي للاعراف والتقاليد كما حصل في اسبانيا والمملكة المتحدة البريطانية. وفي هذا الاطار، فانّ هذا التحول نتج عن جملة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوروبا الحديثة بدءا من الثورة الصناعية ومرورا بعصر النهضة ( والذي كان أهم رواده المفكر مونتسيكيو مبتكر فلسفة العقد الاجتماعي ودولة الحق والمؤسسات) وصولا الى الثورة الفرنسية عام 1789 وترويجها لشعارات المساواة والاخاء والعدالة
الاجتماعية. حصل كل هذا بصراع طويل استوجب قوة الحديد والنار أحيانا حتى باتت السلطة الدينية بعيدة كل البعد عن الحياة المدنية
يعامل الدين الجماعة بوصفها اطاره الشرعي ويلغي اثر التكوين النفسي للفرد وفي هذا الاطار يبرز عدد من المصطلحات التي يروج لها رجال الدين كالقول مثلا بالامة الاسلامية أو القوم أو أهل المغفرة وهذه كلها تدل على جمع. فتصبح عندئذ ردات الفعل جماعية تنبع من روح التكوين الديني المنشأ. يكفي لك أيها القارىء أن تراقب الالفاظ والدلالات التي تحمل في طياتها معنى جماعي في "خطبة الجمعة" أو "عظة الاحد" أو غيرها من الممارسات. يقول عالم النفس المختص بعلم نفس الجماهير غوستاف لوبون أن الجموع ( أي الجماهير المحتشدة في اي مناسبة) تتعامل مع الوقائع والاحداث بطريقة عكسية تماما بالمقارنة مع تجربة شخصية يعيشها فرد واحد. اذ أن تعظيم الذات وتضخيم الوقائع والمجاهرة برفض الاخر والتباهي بالفعل وشيوع منطق القوة الكاسحة تصبح سمات التحول الفكري الذي يعيشه العقل الباطني للجموع كما يسميّه لوبون. واذا حللنا الامر من هذا المنظور، نجد التالي:
«جاء الحق وزهق الباطل، وبكترمايا ما بضيع الحق»،نفّذنا حكم الله بمجرم وهذا أضعف الإيمان»" جابوا القاتل، يلا يا شباب، الثأر الثأر»، «بشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين»،إعدام هذا القاتل عمل جيد ومبارك". هذا بعض ما ردده أبناء كترمايا وسط زغردة النسوة وصيحات الله وأكبر وفي هذا توق لاظهار التفوق الغرائزي والقدرة على الانتقام والقتل واظهار الفرد بمرتبة قوّة الجماعة واستبدال السلطة المدنيةّ بسلطة زمنية اذ ان مصدر الحق كما اعتبره أحد أبناء كترمايا- ويرسخه الدين بوصفه عقيدة جامدة- ينبع من القدرة اللحظوية لا المحاسبة المؤسساتية اذ أنّ المساءلة والمحاسبة في نظم تدعي الديمقراطية لا تكون بالثأر الشخصي أو حتى العشائري بل من سلطة مدنية أوكل اليها مهام المحاسبة القانونية وهي طبعا السلطة القضائية.
يدخل في الدين عامل الاسطورة بوصفه حادثة أو قصة أو اقصوصة يراد من خلالها اظهار قيم وعبر معينة. من أجل هذا، يتم خلق مناخ أسطوري يعظّم المأساة كي يتعاظم معه دور الدين في المجتمع. يجري ذلك بغياب ( أو احيانا تغييب) الفكر النقدي الحر الذي يجب أن يبدأ ويتطور في البيت والمدرسة والجامعة. وللاسف، فان كل هذه الاطر تحمل في طياتها تلقين الافكار الدينية حتى ولو بدت على شكل مدنيّ أحيانا وهنا الطامة الكبرى. فثقافة الخنوع والخضوع والاستسلام حلّت مكان التمرد والثورة والمقاومة. جريمة حدثت، عرف القاتل، هاجت الجموع، عرف القاتل المقتول على عامود الكهرباء، زغردت النسوة .. كل هذا حدث ( ويمكن ان يحدث في أي مكان آخر) ولكن لماذا أصبح الله مشاركا في الجريمة .. لماذا لا تثور هذه الجموع على أعدائها الحقيقين وتقتحم الحدود لمقاتلة " اليهود أعداء الله " .. الجواب: لانّ من مصلحة الدين الابقاء على الاسطورة كما هي من أجل تأبيد سيطرته على الحياة المدنية باسرها .. وانّ ميكي ماوس لشاهد عظيم في هذا الامر.
ايار 2010

No comments:
Post a Comment