إنّ تفحّص حدثٍ ما غير متوقّع واسترجاعنا لطريقة تمثّله وللتعاطي المجتمعي معه هو أحد السبل السوسيولوجية الممكنة هنا من أجل التعرّف على أشكال تحوّل الوعي السائد في مجتمع لبناني تمثّل فيه الطبقة الوسطى، على الأغلب الأعمّ، الجزء الأكبر من السكان. إنّ امتداد تلك الطبقة المتنوّع من متوسطة ــ عليا إلى متوسطة ــــ دنيا أمرٌ سهل ملاحظته، لكن تبقى مسألة دراسته ناقصة في مجتمع لبناني يرى نفسه أنّه أولاً مجتمع طوائف قبل أيّ شيء آخر. إنّ الدراسة المستفيضة لما حدث خلال إضراب الطلاب في الجامعة الأميركية في بيروت ضد زيادة الأقساط، وكيف حُوِّل وحُوِّر الحدث داخل الإعلام وخارجه (أسبوعاً كاملاً) هي مسألة «تستحقّ المعاينة والتدقيق».إنّ أوّل ما يلفت نظرنا في التعاطي مع ما حدث هو استغراب احتجاج الطلاب في الأصل. فالجامعة الأميركية في بيروت التي تعدّ من أغلى الجامعات في لبنان، تبقى في أذهان معظم اللبنانيين على أنّها مكان متاح لأولاد «الأغنياء» فقط، علماً بأنّها كانت قبل الحرب الأهلية على الخصوص، في متناول العائلات اللبنانية المتوسطة. لذلك فإنّ الكثيرين استغربوا وجود «صراع طبقي» في الأميركية، حتّى أنّ أحد مسؤولي الأحزاب الطلابية «التقدمية» أفتى بعدم جواز إطلاق هذا الوصف على ما يحدث. إنّ كان هذا يدلّ على شيء فهو يدلّ على ما تمثّله صورة الغني ــــ البورجوازي وفكرته في ذهن اللبنانيين. فعلى الرغم من أنّ الطبقة المتوسطة ــــ العليا هي التي تمثّل أكثرية الطلاب في الجامعة اليوم والتي لا علاقة لها بالطبقة البورجوازية بحدّ ذاتها، إلا أنّ الوعي السائد هنا والذي يتلخّص في أنّ «طلاب الأميركية بورجوازيون» إن يدلّ على شيء، فهو يدلّ على اختلال في التمثّلات الطبقية في مجتمعنا. لذلك نرى أنّ اللبنانيين وبسبب قيام اقتصاد ريعي مع بدء عصر الحريرية، القائم اليوم على أعلى نسبة استهلاك في العالم والتي بلغت نسبة 96% هذه السنة، أصبحوا يعيّنون طبقة الشخص حسب كمية استهلاكه ونوعيته قبل أي شيء. فإذا كان باستطاعتك شراء سيّارة مرسيدس فخمة مثلاً ولو بالتقسيط على أساس معاشك كموظف في القطاع العام، فهذا يجعلك «بورجوازياً» في نظر الآخرين، فلا تعود فجأة من الطبقة الوسطى أو العاملة. كما أنّ اللبنانيين فقدوا أيّ إحساس بالعلاقة بين الموقع الطبقي للشخص وموقعه في سلسلة الإنتاج في بلاد تُعد قطاعات الإنتاج فيها غير منظورة بسبب محاولات إضعافها المزمنة وحيث السيطرة للرأسمال المصرفي تكاد تكون تامة. فالبورجوازية اللبنانية وفي جزء مهم منها تتلخص في العائلات التي تسيطر على القطاع المصرفي مثلاً، إلا أنّ تلك الطبقة غائبٌ الكلام عنها عند البقية من اللبنانيين سواء بصفتها البورجوازية أو بأيّ صفة أخرى.من المفيد الكلام هنا أيضاً عن التحوّل الذي حدث في الأيام الأخيرة من الاحتجاج والانشطار الطلابي الذي صاحبه الكلام عن «قيادة طلابية قواتية يمينية فاشية» وأطراف «مواجهة لها» كاليساريين والفلسطينيين وغيرهم، حيث أُسبغت تلك الصفات على كل من يدّعي قيادة التحرّكات ضد إدارة الجامعة. إنّ أيّ متابع لا يستغرب أيّ انشقاق يحدث في أيّة حركة طلابية. إنّ هذا أمر أكثر من معتاد. إلا أنّه من الملاحظ تحديداً، رسم هذه الانقسامات هنا باستعادة مفردات أيديولوجية موروثة من تاريخ حرب أهلية لا علاقة له بالمطالب الطلابية تجاه السياسات المالية للجامعة نفسها التي كان يدور الصراع حولها. بل حُوّلت أيّ تباينات تحدث في المواقف إلى سياسات هوية مفهومة أوتوماتيكياً من جمهور الإعلام اللبناني، لتحيل التلميذ «يمينياً» أو «يسارياً» حسب طائفته أو صداقته مع جهة حزبية معيّنة، بدل أن يحدد ذلك موقعه من الصراع الدائر. فجأة أصبح مطلوباً من التلميذ في الأميركية، وفي خضمّ المعركة، أن يحدد أوّلاً مكانه من الحكومة الطلابية، بدل أن يدور النقاش حول موقع الطالب من المطالب نفسها.وإنّه من المهم الإشارة إلى مواقف بعض أساتذة الجامعة (الأخبار، 25 أيّار 2010) الذين حرصوا على إخفاء هويتهم أولاً ثم على إعطاء كل أنواع النصائح الأبوية للطلاب ثانياً، بعدم جواز «غيفاريتهم الرومنسية» ومطالبهم «غير الواقعية» بإلغاء القروض المصرفية. حيث أكّد أحد الأساتذة ــــ «المثقّف» جداً على ما يبدو ــــ أنّ «الحجة التي تقدّم بها (أيّ الطلاب) عن السيولة الفائضة في البنوك هي حجة صحيحة أكاديمياً في الاقتصاد، لكنها مشكلة الاقتصاد الحر عموماً وليس الجامعة تحديداً». وتغاضى الأستاذ بالطبع عن أيّ إشارة إلى أنّ مجلس أمناء الجامعة الذي قرّر السياسة المالية الجديدة للجامعة يمتلك في ناصيته عدداً لا يستهان به من أصحاب المصارف ورأسماليي المنطقة. من هنا يبدو موقع الأكاديمي الذي يخدم السلطة مستعملاً معلوماته الواسعة، مخترعاً من هنا وهناك حججاً أكاديمية الظاهر، فارغة المضمون، من أجل حجب الكلام عن المحظور. هذا مع العلم أنّ الأكثرية الساحقة من الأساتذة والعاملين في الجامعة، كما أشار إلى ذلك أكثر من قيادي طلابي، كانت تقف بحزم إلى جانب حركة الطلاب.إنّ ما حدث عام 1973 للاحتجاحات الطلابية في الأميركية بقيادة الطالب محمّد دجاني حينها والنقاشات التي دارت مع الإدارة حول الزيادات، على الأقساط وعلاقتها بالمساعدات مشابهة على نحو مدهش للنقاشات الدائرة اليوم. إلا أنّ الإضراب ضد زيادة سنوية قدرها 10% الذي استمرّ حينها أكثر من شهرين، تكلّل بالنجاح بعدما أرغم الطلاب الإدارة بالقوة على إيقاف الزيادة المقررة. عام 1973 لم يكن هناك سياسات هوية تقسّم الصفوف ولا أكاديميون يحاولون السخرية من غيفارية الطلاب وتشويه حركتهم فتكلّل مسعاهم بالنجاح... فهل نتعلّم من التاريخ من أجل مستقبل أفضل؟
Subscribe to:
Post Comments (Atom)

النص جيد ومتماسك
ReplyDelete