كتب الكثير من المحللين السياسيين عن إنتفاضتي شعبي تونس ومصر بما هي حركة إنطلقت من واقعٍ إجتماعيّ مرير تعانيه أغلبية ساحقة من فئات المجتمع فثارت ضد ديكتاتوريات قمعية، الاّ أن ما يميّز هاتين الانتفاضتين هي ظاهرة تتمثل في دخول الثورات حيّز التنظيم الفردي العفوي بعيداً عن أطنان المجلدات التي تزخر بها الاحزاب العربية والتي أصبحت أحزاب مكتبية-بيروقراطية. وفي حقيقة الامر، تمثّل هذه الظاهرة نمواً لتيار شبابيّ عصريّ أدخل تقنيات العصر في صلب النضال السياسي والمطلبي كإستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كفايسبوك وتويتر وغيرها. ولا بد لنا في هذا المجال تسجيل ملاحظات عدّة
أولاً: إنّ تحرك 25 كانون الثاني والذي يعتبر شرارة الانتفاضة المصرية كان أن دعا إليه مجموعة من الناشطين المستقلين والمدونين وهذا ما يجهله الكثير من المتابعين اليوم للحالة المصرية. وبعد نجاح التحرك المذكور، دعت قوى
المعارضة الى التظاهرة الشعبية الحاشدة والتي أسموها " جمعة الغضب " وكان هذا يوم الجمعة 28 كانون الثانيّ
ثانياً: أتت التظاهرات المليونية في القاهرة إستجابةً لنجاح التحرك-الشرارة. فبخلاف معظم الثورات الشعبية، لم تكن إنتفاضتي تونس ومصر مرتبطة بأجندة مطلبية لقوى سياسية معينة، بل أكملت ألاحزاب السياسية ما بدأته جموع الناس. واللافت للانتباه مثلاً أن رئيس الجمعية الوطنية للتغيير، محمد البرادعي، لم ينزل ميدان التحرير الاّ حين إكتملت صورة المشهد الشعبي وكان هذا في الاول من فبراير. يشكّل هذا الامر موجة جديدة ومختلفة من الثورات الجامدة والمركزية التي خاضتها الشعوب في القرون الماضية ولم يكن أصلاً مطلب "إسقاط النظام " أو " إسقاط الرئيس " في أجندة القوى السياسية المصرية بل جلً ما كانت تطالب به هو إشراكها في العملية السياسية بشكلٍ واسع.
ثالثاًَ: تعتبر قوى المعارضة التونسية والمصرية على حدٍ سواء قوى مدجنّة لصالح النظام الرسمي. وتعتبر عدم مقدرة الاحزاب السياسية على اللحاق بوتيرة التحركات دلالة هامة على البون الواسع الذي وضعت فيه الاحزاب بينها وبين المواطنين. فقوى التغيير ( وأقصد هنا بالاضافة الى الاحزاب السياسية، النقابات ووسائل الاعلام والمنظمات غير الحكومية) هي قوى مفرغّة من أي محتوى وطني-نقابي- مطلبي. وفي الواقع، عملت السلطات الحاكمة ومن خلال إغداقها المال على قوى التغيير هذه على تحويلها الى أبواق للنظام الحاكم وهذه حال معظم وسائل الاعلام في العالم العربي، أو أصبحت ديكوراً إضافياً في مسرحيات الديمقراطيات العربية وهذه حال معظم القوى السياسية والنقابية في العالم العربي حيث يضفي وجودها-ولو الرمزي- شرعيةً للطاقم الحاكم. أما المنظمات غير الحكومية في العالم العربي، فنراها تتخبط في مشاكلها الداخلية ذلك أن التمويل الاجنبي الواضح والسخي أحياناً لتلك المنظمات يحولها الى شاهد زور أمام المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويبعدها عن الحيّز الاستقلالي والموضوعي الذي يجب أن تعمل في إطارها.
رابعاً: ظهور تيار بات يسمى بتيار" النضال الالكتروني" حيث أطلق المئات من الشباب في العالم أجمع كما العالم العربي الكثير من التحركات والمبادرات المطلبية وكان للفايسبوك الدور ألاساس في عملية الدعوة والتعبئة والتنظيم. وفي هذا السياق، فإن الاعلام العربي شهد إقبالاً واسعاً في الاونة الاخيرة على التدوين فنما تيار من الشباب العربي المثقف الناشط سياسياً ولكنه غير مؤطر في أحزاب وتنظيمات حتى أن جيل الشباب الجديد فقد ثقته بمعظم أطياف اللون السياسي بما فيها أحزاب اليسار التي من المفترض أن تحمل هموم الشباب وتطلعاته نحو مستقبلٍ أفضل وهذا ما يحتّم على هذه القوى إيجاد وسائل إستقطاب جديدة. وفي هذا الاطار، لا بدّ لي من أن أسجّل ملاحظتين على هامش هذا الموضوع
أ- إنّ حركة " شباب 6 أبريل " المشاركة اليوم في الانتفاضة المصرية هي نفسها كانت وليدة الحراك المطلبي الالكتروني حيث دعت مجموعة من الناشطين السياسيين المستقلين الى إضراب عماليّ في السادس من نيسان عام 2008 أثمر إستجابةً كبيرةً من قبل عموم الناس ثمّ ما لبثت أن إنتقلت الاضرابات العمالية الى قطاعات إقتصادية عديدة نذكر منها عمال غزل النسيج.
أ- إنّ حركة " شباب 6 أبريل " المشاركة اليوم في الانتفاضة المصرية هي نفسها كانت وليدة الحراك المطلبي الالكتروني حيث دعت مجموعة من الناشطين السياسيين المستقلين الى إضراب عماليّ في السادس من نيسان عام 2008 أثمر إستجابةً كبيرةً من قبل عموم الناس ثمّ ما لبثت أن إنتقلت الاضرابات العمالية الى قطاعات إقتصادية عديدة نذكر منها عمال غزل النسيج.
ب-أظهرت السلطات الحكومية إرتباكاً واضحاً في كيفية التعامل مع الجيل الطالع. فمثّل إعتقال الناشطة والمدونة الالكترونية إسراء عبد الفتاح في أيار 2008 أمراً بالغ الخطورة. حيث إتهمت بالتحريض على الامن القومي جراء دعوتها لمساندة عمال المحلة الذين بادروا الى تنظيم تحركات إحتجاجية في ربيع العام 2008 ليشكّل هذا الامر فيما بعد إدانة واسعة من منظمات حقوقية عديدة وهي الفتاة التي كانت عمرها ثمانية عشر في ذلك الوقت. وأجزم أنها تشارك الان في إنتفاضة الحرية ضد الطاغية مبارك!
يجمع الكثير من المتابعين على أهمية الانتفاضات المطلبية التي تشهدها مصر وتونس وأجزاء أخرى من العالم العربي. ومما لا شك فيه أننا أمام إختبار جديد .. إختبار أنواع فريدة من الثورات يختلط فيها النضال المطلبي الذي تسببه الرأسمالية الوطنية ( الملحقة طبعاً بالرأسمالية العالمية) بوسائل تعبوية حديثة تعتبر إحدى إفرازات العولمة والتطور التكنولوجي الهائل. ويلفتني في هذا المجال سقوط الاحزاب السياسية وعجزها عن اللحاق بمتغيرات الصراع وفهم أسبابه وتحديد وسائل تحقيقه. أمام كل هذا، أين أحزاب اليسار .. أين الاحزاب الشيوعية .. ؟؟ الا إذا كانت لا زالت تؤمن بأن التغيير يكتب على سطور بيانات رثّة.
شباط 2011

صديقي العزيز .. النضال الإلكتروني أثبت للعالم أنه الأجدر، لم تعد الثورات بحاجة لقائد يقود هذه التحركان، عاشة الثورات التي تبدء إفتراضياً وتنتهي واقعياً
ReplyDeleteYes salim very true .. this is the main point which I tried to prove in my piece!
ReplyDelete